محمد بن جرير الطبري

98

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

القول في تأويل قوله : { فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ } قال أبو جعفر : ويقول تعالى ذكره : فمن يرد الله أن يهديه للإيمان به وبرسوله وما جاء به من عند ربه ، فيوفقه له ( 1 ) = ( يشرح صدره للإسلام ) ، يقول : فسح صدره لذلك وهوَّنه عليه ، وسهَّله له ، بلطفه ومعونته ، حتى يستنير الإسلام في قلبه ، فيضيء له ، ويتسع له صدره بالقبول ، كالذي جاء الأثر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي : - 13852 - حدثنا سوّار بن عبد الله العنبري قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان قال ، سمعت أبي يحدث ، عن عبد الله بن مرة ، عن أبي جعفر قال : لما نزلت هذه الآية : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) ، قالوا : كيف يشرح الصدر ؟ قال : إذا نزل النور في القلب انشرح له الصدر وانفسح . قالوا : فهل لذلك آية يعرف بها ؟ قال : نعم ، الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل الفوت . ( 2 )

--> ( 1 ) انظر تفسير ( ( الهدى ) ) فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) . ( 2 ) الأثر : 13852 - ( ( عبد الله بن مرة ) ) ، هكذا هو في المخطوطة والمطبوعة وتفسير ابن كثير ، وأنا أستبعد أن يكون كذلك لأسباب . الأول - أني أستبعد أن يكون هو ( ( عبد الله بن مرة الخارفي ) ) ، الذي يروي عن ابن عمر ، ومسروق ، وأبي كثف ، والذي يروي عنه العمش ، ومنصور . وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 165 ، وهو ثقة . الثاني - أن الخبر رواه أبو جعفر الطبري بأسانيد ، هذا ورقم : 13853 ، 13854 ، وهي تدور على ( ( عمرو بن مرة ) ) . الثالث - أنه سيتبين بعد مَنْ ( ( أبو جعفر ) ) الذي روى هذا الخبر ، ومذكور هناك أنه روى عنه ( ( عمرو بن مرة ) ) ، ولم يذكر ( ( عبد الله بن مرة ) ) . فمن أجل ذلك أرجح أن صوابه ( ( أبو عبد الله بن مرة ) ) ، أو ( ( أبو عبد الله عمرو بن مرة ) ) ، فسقط من النساخ . وأما ( ( أبو جعفر ) ) الذي يدور عليه هذا الخبر ، فهو موصوف في الخبر رقم 13854 : ( ( رجل يكنى أبا جعفر ، كان يسكن المدائن ) ) ، ثم جاءت صفة أخرى في تخريج السيوطي لهذا الخبر في الدر المنثور ، قال : ( ( رجل من بني هاشم ، وليس هو محمد بن علي ) ) = يعني الباقر . وقد وقفت أولا عند ( ( أبي جعفر ) ) هذا ، وظننت أنه مجهول ، لأني لم أجد له ذكرًا في شيء مما بين يدي من الكتب ، ولكن لما جئت إلى الخبر رقم : 13856 من رواية ( ( خالد بن أبي كريمة ، عن عبد الله بن المسور ) ) ، تبين لي على وجه القطع ، أن ( ( أبا جعفر ) ) هذا ، الذي كان يسكن المدائن ، وكان من بني هاشم ، هو نفسه ( ( عبد الله بن المسور ) ) ، الذي روى عنه رقم : 13856 . وإذن ، فهو ( ( أبو جعفر ) ) : ( ( عبد الله بن المسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب ) ) ( ( أبو جعفر الهاشمي المدائني ) ) . روى عنه عمرو بن مرة ، وخالد بن أبي كريمة . مترجم في ابن أبي حاتم 2 / 2 / 169 ، وتاريخ بغداد 10 : 17 ، وميزان الاعتدال للذهبي 2 : 78 ، ولسان الميزان 3 : 360 . قال الخطيب . ( ( سكن المدائن ، وحدث بها عن محمد بن الحنفية ) ، وذكر في بعض ما ساقه من أسانيد أخباره : ( ( عن خالد بن أبي كريمة ( وهو الآتي برقم : 13856 ) ، عن أبي جعفر وهو عبد الله بن المسور ، رجل من بني هاشم ، كان يسكن المدائن ) ) . و ( ( أبو جعفر ) ) ، ( ( عبد الله بن المسور ) ) ضعيف كذاب . قال جرير بن رقبة : ( ( كان أبو جعفر الهاشمي المدائني ، يضع أحاديث كلام حق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاختلط بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاحتمله الناس ) ) . وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل : ( ( قال أبي : أبو جعفر المدائني ، اسمه عبد الله بن مسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب . قال أبي : اضرب على حديثه ، كان يضع الحديث ويكذب ، وقد تركت أنا حديثه . وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدثنا عنه ) ) . وقال ابن أبي حاتم : ( ( سألت أبي عن جعفر الهاشمي فقال : الهاشميون لا يعرفونه ، وهو ضعيف الحديث ، يحدث بمراسيل لا يوجد لها أصل في أحاديث الثقات ) ) . وإذن ، فالأخبار من رقم : 13852 - 13854 ، ورقم : 13856 - أخبار معلولة ضعاف واهية ، كما ترى . وهذه الأخبار الثلاثة : 13852 - 13854 ، ذكرها ابن كثير في تفسيره 3 : 394 ، 395 ، وخرجها السيوطي في الدر المنثور 3 : 44 ، ونسب الخبر لابن المبارك في الزهد ، وعبد الرزاق ، والفريابي ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي في الأسماء والصفات . وقال ابن كثير في تفسيره 3 : 395 ، وذكر هذه الأخبار ، وخبر مسعود الذي رواه أبو جعفر برقم : 13855 ، 13857 ، ثم قال : ( ( فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة ، يشد بعضها بعضًا ، والله أعلم . وأخطأ الحافظ جدًا كما ترى ، فإن حديث أبي جعفر الهاشمي ، أحاديث كذاب وضاع لا تشد شيئًا ولا تحله ! ! وكتبه محمود محمد شاكر .